محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

11

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

عريض ، وإنما اقتصرنا فيها على هذا القدر اليسير من التنبيه ، لأن المؤلف ، رحمه اللّه ، أفرد في هذا المعنى كتابا سماه « التنوير في إسقاط التدبير » أحسن فيه غاية الإحسان ، وقرب الأمر فيه بحيث يستغنى به عما صنف في هذه الطريقة من ديوان ، فتحصيله متعيّن على كل مريد نجيب . اجتهادك فيما ضمن لك وتقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس البصيرة منك . الشيء المضمون للعبد هو رزقه الذي يحصل له به قوام وجوده في دنياه . ومعنى كونه مضمونا : أن اللّه تعالى تكفّل بذلك وفرّغ العباد عنه ، ولم يطلب منهم الاجتهاد في السعي فيه ولا الاهتمام له . والشيء المطلوب من العبد : هو العمل الذي يتوصل به إلى سعادة الآخرة ، والقرب من اللّه تعالى من عبادات وطاعات . ومعنى كونه مطلوبا أنه موكول إلى اكتساب العبد له واجتهاده فيه ، ومراعاة شروطه وأسبابه وأوقاته ، بهذا جرت سنة اللّه في عباده ، قال اللّه عزّ وجل في المعنى الأول الذي ضمنه للعبد : وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ [ العنكبوت : 60 ] . وقال تعالى في المعنى الثاني الذي طلبه منه : وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى [ النجم : 39 ] . وقد روى في بعض الآثار : أن اللّه تعالى يقول : « عبدي ، أطعني فيما أمرتك ولا تعلمني بما يصلحك » . وذكر في الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « « 1 » ما بال أقوام يشرّفون المترفين ، ويستخفون بالعابدين ، ويعملون بالقرآن ما وافق أهواءهم ، وما خالف أهواءهم تركوه ، فعند ذلك يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ، يسعون فيما يدرك بغير سعي من القدر المقدور والأجل المكتوب والرزق المقسوم ، ولا يسعون فيما لا يدرك إلا بالسعي من الجزاء الموفور ، والسعي المشكور ، والتجارة التي لا تبور . وقال « إبراهيم الخواص » « 2 » : « العلم كله في كلمتين : لا تتكلف ما كفيت ، ولا

--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في ( المعجم الكبير 10 / 238 ) ، والهيثمي في ( مجمع الزوائد 10 / 229 ، 234 ) والمتقي الهندي في ( كنز العمال 999 ) ، والشجري في ( الأمالي 2 / 206 ) ، والخطيب البغدادي في ( تاريخ بغداد 6 / 313 ) ، والسيوطي في ( اللآلىء المصنوعة 2 / 173 ) ، والعجلوني في ( كشف الخفاء 1 / 266 ) ، وابن عراق في ( تنزيه الشريعة 2 / 304 ) ، والشوكاني في ( الفوائد المجموعة 420 ) ، وابن الجوزي في ( الموضوعات 3 / 140 ) ، وأخرجه صاحب ( ميزان الاعتدال 6248 ) ، وابن حجر في ( لسان الميزان 4 / 967 ) وابن أبي حاتم الرازي في ( علل الحديث 1856 ) ، وابن عدي في ( الكامل في الضعفاء 5 / 1711 ) . ( 2 ) إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل ( توفي 291 ه - 904 م ) أبو إسحاق الخواص ، كان أوحد المشايخ في وقته ، من أقران الجنيد ، ولد في سر من رأى ومات في جامع الري . له كتب مصنفة ( الأعلام -